الشيخ محمد رشيد رضا

168

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بيان ما أخطأ فيه نفاة القياس ( أحدها ) رد القياس الصحيح ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ . ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لمن لعن عبد اللّه حمارا « 1 » على كثرة شربه للخمر « لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله » بمنزلة قوله : لا تلعنوا كل من يحب اللّه ورسوله . وفي أن قوله « ان اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر « 2 » فإنها رجس » بمنزلة قوله « ينهيانكم عن كل رجس » وفي أن قوله تعالى ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) نهي عن كل رجس . وفي أن قوله في الهرة « ليست بنجس انها من الطوافين عليكم والطوافات » بمنزلة قوله : كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس . ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره : لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم ، نهي له عن كل طعام كذلك . وإذا قال : لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر . نهي له عن كل مسكر - ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة وأمثال ذلك ( الخطأ الثاني ) تقصيرهم في فهم النصوص فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه . وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه واشارته وعرفه عند المخاطبين ، فلم يفهموا من قوله ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة ( أف ) فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان ( الخطأ الثالث ) تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه ، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل ، وليس عدم العلم علما بالعدم ، وقد تنازع الناس في الاستصحاب ونحن نذكر اقسامه ومراتبها ، فالاستصحاب استفعال من الصحبة وهي استدامة اثبات ما كان ثابتا أو نفي ما كان منفيا وهو ثلاثة أقسام : استصحاب البراءة الأصلية ، واستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه ، واستصحاب حكم الاجماع في محل النزاع ( أقول : وهاهنا أطال ابن القيم في بيان هذه الاقسام وأمثلتها ثم قال ) ( الخطأ الرابع ) لهم اعتقادهم ان عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة ، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد

--> ( 1 ) حمار لقبه ( 2 ) جمع حمار ككتاب وكتب . والمراد الحمير الانسية التي تركب